المرأة في سوق العمل العربي: التحديات والفرص الحديثة

مقدمة

على مدى العقود الماضية، حققت المرأة العربية تقدمًا كبيرًا في مجالات التعليم والمهارات، وأصبحت نسبة المتخرجات الجامعيات في بعض الدول تفوق الذكور في كثير من التخصصات. ومع ذلك، لا تزال نسبة مشاركتها في سوق العمل أقل بكثير من الرجال، رغم الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها. تشكل هذه الفجوة بين التعليم والعمل إشكالية كبيرة في الاقتصادات العربية، فهي لا تضر فقط باقتصاديات الدول، بل تُفقد المجتمع ثروة بشرية كبيرة كانت تستطيع أن تسهم في التنمية بشكل فعّال.

هذا المقال يتناول واقع المرأة في سوق العمل العربي من منظور تحديات وفرص حديثة، مُستندًا إلى إحصائيات ودراسات فعلية، مُحلِّلاً الأسباب العميقة وراء الفجوة الحالية، كما يقترح طرقًا عملية يمكن أن تُساهم في تعزيز المشاركة النسائية في التنمية الاقتصادية.


أولاً: الواقع الحالي لمشاركة المرأة في سوق العمل العربي

تُظهر الإحصائيات أن نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل العربي تبقى من بين الأدنى عالميًا، بالرغم من التقدم الكبير الذي حققته في التعليم. تبلغ نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة في المنطقة العربية حوالي 20% فقط، مقارنة بنسبة مشاركة الرجال التي تصل إلى نحو 69%، بينما تبلغ النسبة العالمية لمشاركة النساء في القوى العاملة حوالي 46.6%.

تتفاوت هذه النسب بشكل كبير من دولة إلى أخرى. ففي بعض دول الخليج، مثل قطر، تجاوزت نسبة مشاركة النساء في سوق العمل 64%، بينما في دول أخرى مثل مصر بلغت نحو 16% فقط. بينما معدل مشاركة النساء في الاقتصادات غير الخليجية لا يتجاوز حوالي 11.7%، مما يعكس تباينًا كبيرًا داخل المنطقة نفسها.

يُظهر هذا الواقع أن المرأة العربية تواجه عقبات هائلة في دخول سوق العمل والمشاركة الفعّالة فيه، حتى عندما تكون مؤهلة علميًا ومهنيًا. وهذا ما يستدعي فهمًا أعمق للعوامل التي تساهم في هذا التباين الحاد.


ثانياً: التحديات الثقافية والاجتماعية وانعكاسها على فرص العمل

تُعد العوامل الاجتماعية والثقافية من أهم القضايا التي تحد من مشاركة المرأة في سوق العمل العربي، إذ تنتشر في بعض المجتمعات نظريات وأفكار تقليدية ترى أن دور المرأة الأساسي يجب أن ينحصر داخل الأسرة، وأن العمل الخارجي قد يتعارض مع القيم الاجتماعية. تعمل هذه المعايير غير المكتوبة على خلق عوائق نفسية ومجتمعية أمام المرأة التي ترغب في العمل، وتضع قيودًا على خياراتها المهنية في مجالات كثيرة.

في دول عديدة، بالرغم من حصول النساء على تعليم عالي، فإن المجتمع لا يزال يعرضها لضغوط قوية تتعلق بفرض أدوار اجتماعية تقليدية، مثل رعاية الأسرة والأطفال، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على توافرها للعمل بوتيرة منتظمة. تُشير الدراسات إلى أن الوقت الذي تقضيه النساء في الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة في بعض الدول العربية يفوق ضعف ما يقضيه الرجال، وهو ما يقلص فرص مشاركتهن في سوق العمل أو يحد من فترة تفرغهن للعمل المدفوع.

بجانب ذلك، تُعد المعايير المجتمعية المرتبطة بدور المرأة في المجتمع سببًا مهمًا في عزوف الشركات عن توظيف النساء، أو في تفضيلها توظيف الرجال في المناصب التنفيذية أو التقنية. هذه المعايير تساهم في استمرار فجوة الأجور بين الجنسين، فحتى عندما تعمل المرأة، فإنها تتقاضى في كثير من الحالات رواتب أقل من نظيرها الرجل، ما يعكس عدم المساواة الهيكلية في أسواق العمل العربية.


ثالثاً: الفجوة بين التعليم والوظائف وتأثيرها على دخول المرأة لسوق العمل

من المفارقات الكبرى في العالم العربي أن المستوى التعليمي للمرأة يُعد أعلى بكثير من مشاركتها في سوق العمل. في كثير من البلدان، تُسجل نسب متخرجات الجامعات من النساء أعلى من الذكور، خاصة في مجالات مثل الطب والعلوم والآداب. ومع ذلك، لا ينعكس هذا التفوق التعليمي في المشاركة الاقتصادية أو في الوظائف التي تتناسب مع هذا المستوى من المهارات.

في كثير من الحالات، لا تجد الخريجات وظائف تتناسب مع مؤهلاتهن، أو يجدن أنفسهن يعملن في وظائف دون المستوى التعليمي الذي حصلن عليه، وهو ما يُعرف بـ “عمل دون المستوى التعليمي.”
هذه الفجوة بين التعليم والوظائف تؤثر بشكل أكبر على النساء، لأنها تزيد من إحساسهن بالإحباط وتجعل فكرة العمل غير جذابة، خاصة عندما يجدن أن خبراتهن العلمية ليست قيمة في سوق العمل بسبب نقص الفرص أو التمييز الجنسي أو ضعف الوظائف المتاحة.

علاوة على ذلك، فإن بعض الدول لا توفر برامج فعالة لتوجيه الخريجات لسوق العمل أو مسايرة المهارات التعليمية مع احتياجات سوق العمل، ما يزيد من فقدان القيمة الاقتصادية للتعليم النسائي ويزيد من معدلات البطالة بين النساء الخريجات.


رابعاً: السياسات الاقتصادية والتشريعية وتأثيرها في تمكين المرأة

تلعب السياسات الحكومية دورًا حاسمًا في تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، من خلال التشريعات التي تضمن المساواة في الفرص، والحماية في بيئة العمل، وسياسات دعم الأسرة والطفولة.

شهدت بعض دول الخليج إصلاحات مهمة تسهم في دخول المرأة إلى سوق العمل بشكل أكبر. على سبيل المثال، ارتفعت نسبة مشاركة النساء في المملكة العربية السعودية من حوالي 17% سابقًا إلى حوالي 36% في 2025، متجاوزة الهدف الذي وضعته رؤية 2030، وهو ما يعكس التغير الاجتماعي والاقتصادي نتيجة الإصلاحات.

وفي نفس السياق، شهدت الإمارات تقدمًا ملحوظًا في مؤشر المساواة بين الجنسين، حيث ارتفع ترتيبها في تقارير عالمية بسبب زيادة عدد النساء في المناصب القيادية والقطاع الخاص الديناميكي.

إلا أن الفجوة بين التشريعات وتنفيذها لا تزال قائمة في كثير من الدول العربية، حيث تفتقر بعض هذه التشريعات إلى سياسات دعم الأسرة، مثل إجازات أمومة مدفوعة، أو دعم رعاية الأطفال، مما يجعل من الصعب على النساء تحقيق توازن بين العمل والأسرة، ويؤثر بشكل مباشر على خياراتهن المهنية.


خامساً: التحديات في نوعية الوظائف والدخل والفرص المهنية

واحدة من أكبر التحديات التي تواجه المرأة في سوق العمل العربي ليست فقط نسبة المشاركة المنخفضة، بل نوعية الوظائف المتاحة لها. غالبية النساء العاملات موجودات في وظائف منخفضة الدخل أو محدودة النمو المهني، مثل التعليم، الصحة الأولية، والخدمات الاجتماعية، بينما يكون حضورهن ضعيفًا في الوظائف التقنية، الهندسية، القيادية، والقطاع الخاص الديناميكي.

يرتبط هذا التمثيل المحدود في وظائف ذات مردود اقتصادي قوي بوجود عوائق هيكلية في سوق العمل، مثل تفضيل أصحاب العمل توظيف الرجال في المناصب التقنية أو العليا، وعدم توفر برامج تدريب تأهيلي متخصصة للنساء في هذه المجالات.

إضافة إلى ذلك، تواجه النساء العاملات في بعض القطاعات تمييزًا في الأجور وفرص الترقية، ما يجعل الأجور التي تحصل عليها أقل من نظيراتهن من الرجال حتى عندما تكون الكفاءة متساوية. معدل البطالة بين النساء أعلى بكثير من الرجال في كثير من الأسواق العربية، ولا سيما خارج دول الخليج.


سادساً: الفرص الحديثة لتمكين المرأة في بيئة العمل

رغم التحديات، هناك تحولات واضحة تحدث في بعض الدول العربية تُظهر فرصًا واعدة لتمكين المرأة في سوق العمل. تظهر هذه الفرص من خلال برامج تمكين مهني، مبادرات حكومية وخاصة، وتنامي قطاعات جديدة توفر وظائف تتناسب مع مهارات النساء المتعلمات.

شهدت بعض دول الخليج زيادة ملحوظة في نسبة النساء في المناصب القيادية وفي القطاعات الديناميكية مثل التكنولوجيا والمالية، ما يسهم في رفع سقف التطلعات المهنية للنساء.

كما بدأت العديد من الحكومات في اعتماد سياسات دعم الأسرة مثل توفير رعاية أطفال مدعومة، تصاميم عمل مرنة، ونظم إجازة أمومة محسنة، مما ساعد في تقليل العبء على النساء وتحسين مشاركتهن في سوق العمل.

إضافة لذلك، هناك ظهور منصات توظيف رقمية وتدريب إلكتروني تستهدف تنمية المهارات الرقمية والتقنية للنساء، مما يمكنهن من دخول مجالات جديدة كالبرمجة، إدارة البيانات، وريادة الأعمال الرقمية، وهي مجالات تشهد نموًا سريعًا في السوق المحلية والعالمية.


سابعاً: الرؤية المستقبلية وخطوات تحسين وضع المرأة في سوق العمل

لتحقيق مشاركة أكثر استدامة للمرأة في سوق العمل العربي، يجب التركيز على مجموعة من الخطوات العملية والسياسات التي يمكن أن تُسهم في تمكينها بشكل فعّال.

أولاً، تعزيز التشريعات التي تضمن المساواة في الأجر والفرص، مع وجود آليات فعّالة لرصد الانتهاكات ومعاقبة التمييز في أماكن العمل.

ثانيًا، توسيع برامج التدريب والتأهيل المهني للنساء، خاصة في المجالات التقنية والرقمية، لإعدادهن لشغل وظائف ذات قيمة اقتصادية عالية.

ثالثًا، دعم سياسات مرونة العمل والإجازات العائلية لرعاية الأطفال، لما لها من تأثير مباشر على قدرة المرأة على استمرار العمل دون التخلي عن مسؤوليات الأسرة.

رابعًا، إطلاق حملات تحفيزية لتشجيع توظيف النساء في المناصب العليا، مع تقديم حوافز للشركات التي تحقق نسبة مشاركة نسائية عالية.

خامسًا، إشراك المجتمع المدني والمنظمات غير الربحية في تغيير النظرة المجتمعية حول دور المرأة في العمل، من خلال حملات توعية وتجارب ناجحة تُبرز فوائد مشاركة المرأة في الاقتصاد.


خاتمة

تشكل المرأة في سوق العمل العربي موردًا بشريًا لا يُستغنى عنه لتحسين الأداء الاقتصادي والتنمية الشاملة. رغم أن واقع مشاركتها في سوق العمل لا يزال أقل من المطلوب، إلا أن هناك إشارات واعدة لتحول تدريجي في بعض الدول، وتزايد اهتمام الحكومات والمؤسسات بتمكين المرأة.

التحديات التي تواجهها المرأة في العمل عربيًا متعددة ومعقدة — تشمل العوامل الثقافية، الفجوة بين التعليم وفرص العمل، القوانين والهياكل الاقتصادية غير الملائمة — لكنها قابلة للتغيير بالسياسات الصحيحة، دعم التدريب، وتحسين بيئة العمل.

إن تنفيذ هذه الخطوات بشكل منسق يمكن أن يُحدث تحولًا حقيقيًا في تمكين المرأة العربية ويُمكن أن يساهم في تحسين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل.

Scroll to Top